العلم والإيمانمسائل وفوائد

ما هو الفساد الأخلاقي وكيفية القضاء عليه في المجتمع

بقلم الأستاذ / عصام العبادي نقلاً من مجلة منبر الثقافة العدد الخامس عشر

سمعنا كثيراً عن الفساد المالي والإداري والسياسي وحتى الرياضي ، وغالباً يُبحث كل نوع من أنواع الفساد هذه على حدى ويأخذ نصيباً وافراً من الدراسات والأبحاث والندوات وما يرافقه من صخب إعلامي وشعبي ، لكن في الحقيقة إن بحثنا بجدية وتروٍّ بكلِّ هذه الأنواع والأشكال من الفساد نجد أن منبعها واحد ألا وهو الفساد الأخلاقي ، وهو الذي يدفع بالشخص لارتكاب المخالفات والتجاوزات في شتى الأمور ، والتي من بينها الجانب المالي والإداري والسياسي وغيره ، وذلك انعكاس لجشعه وطمعه واستهتاره بالآخرين وأكل حقوقهم بالباطل ، مقرونة بشهوة التملّك والتسلط وغيرها من المغريات التي تندرج تحت بند فقد الأخلاق وفسادها .

تفشي الفساد الأخلاقي ظاهرةٌ تؤرق الجميع سواءٌ في ذلك العائلة أم المجتمع وحتى الحكومات والدول، وضحيتها عادة هم الشباب باعتبارهم الأكثر عدداً في المجتمعات، ونحن في مجتمعنا العربي المسلم حريٌّ بنا أن نبحث بتعمّق عن هذه الظاهرة لتأثيرها المباشر على الأفراد والمجتمعات فصلاح الفرد يؤثر بالإيجاب على مجتمعه وكذا العكس.

·       من مظاهر الفساد الأخلاقي

  • المظهر الأول : من مظاهر الفساد الأخلاقي والأكثر رواجاً ومشاهدةً وانتقاداً من الناس هو المشاهدات اليومية التي يقوم بها البعض سواءٌ الألفاظ أم السلوكيات ، و التي قد يكون بعضها خادشاً للحياء العام ويرفضه شرعنا الحنيف ، وكذا العادات والتقاليد والأعراف ، فالسّب والشتم والقذف عادات أصبحت منتشرة في الشوارع والأماكن العامة
    وبشكل يومي ، وكذا تشبه بعض الشباب بالنساء بالصوت أو اللباس ، إضافة إلى ما تظهر به بعض النساء بقصد فتنة الرجال وغيرها من المظاهر المنتقدة عرفاً وأخلاقاً والتي نراها عادة في الأماكن العامة وأمام الناس.
  •      المظهر الثاني من مظاهر الفساد الأخلاقي يكون بين فئة محدودة أو بين الشخص ونفسه، ويحرص على ألا يظهر للعلن ويعمل جاهداً لإخفائه، كفعل الزنا أو شرب الخمر أو تعاطي المخدرات وغيرها من الأمور المنافية للأخلاق التي قد يفعلها الشخص خِلسةً.

     

  •      المظهر الثالث من مظاهر الفساد الأخلاقي هو سوء الخلق بالتعامل مع الآخرين بالكلام الجارح البذيء وما يرافقه من سوء أدب أو فعل خسيسٍ دنيء ينُمُّ عن رداءة الأخلاق وفسادها، ومنه الفساد الداخلي الذي يدفع به لحقد وإضمار العداوة والبغضاء لأخيه، مما يدفعه لفعل المكائد والإضرار بالغير، وهذا أيضاً يعبّر عن فساد خلقي استفحل في داخل هذا الشخص.
  •     المظهر الرابع من مظاهر الفساد الأخلاقي هو الرضا بما يُشاهَد من المظاهر السابقة والتي تخالف شريعتنا وما نشأنا عليه في مجتمع مسلم محافظ ملتزم، بحيث يُصبح الفساد أمراً طبيعياً وعادياً وغير مستهجن لدى البعض وإن كان هو لا يفعله، لكن يرضاه ولا ينهى عنه، بل وأحياناً يدافع عنه بحجة أن ذلك حرية شخصية، فأي حرية هذه التي تؤذيك، وتنخر كالسوس في أهلك وبنيك، وأي حرية هذه التي تنافي تعاليم ديننا وشريعتنا!!

·       أسباب الفساد الأخلاقي

الكثير منا عاين المظاهر السابقة والبعض عانى منها إما بشكل مباشر أو غير مباشر، ولمعرفة العلاج علينا أن نعرف الأسباب أولاً، ولعل أبرز الأسباب تكمن في:
  • قلة الوازع الديني: وهذا أساس الكثير من المصائب.
  • التربية غير السليمة: وعدم اكترث الأهل بحيث تكون التربية السليمة للأبناء أمراً ثانوياً وغير رئيسي، وقد يكتفي بعض الأهالي بتوفير المال للأبناء وحسب، وهذا قد يكون سبباً آخر للفساد حيث إن المال الوفير بيد الأبناء قد يدفعهم لحب التجربة، وهذا قد يؤدي لوقوع الأبناء بِشراك الآفات المجتمعية والأخلاقية.
  •  الفراغ: حيث إن الوقت إن لم يُشغل بما هو مفيد سيُشغل بما هو غير مفيد، والفراغ الكبير الذي يجده الشاب يدفعه للبحث عما يشغله مما قد يكون آفةً تعود على الأهل والأبناء.
  •  التفكك الأسري: الذي يدفع بالأبناء للشارع ليكون الشارع ملجأ لهم ومأوى لسوء التربية والأخلاق.
  • البيئة المحيطة: فترويج الفساد وتحسين صورته في المجتمع أصبح في هذا العصر أسهل وأسرع، بل إن بعض الآفات تدخل بيوتنا من خلال محتويات رديئة تبث على شاشات التلفاز تحت عنوان مسلسلات عائلية، وهي في الحقيقة ترويج لعادات رديئة وتنشر ثقافات كاسدة وبالتالي تربي جيلاً فاسداً منحلاً أضف إلى ذلك سهولة الوصول إلى الإنترنت من خلال الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر ولا يخفى سوء بعض محتوياتها إن لم نحسن التوجيه والمراقبة.

·     عـــلاج الفساد الأخلاقي

  •   تنمية الوازع الديني: فالأولى على الأهل تعليم الأبناء أمور دينهم وما يجب على المكلّفين وما يَحرُم عليهم وبالتالي يكون هذا العلم درعاً أساسياً لحمايتهم ووقايتهم، ومن هنا ينبغي على الأهل أولاً أن يكونوا متعلمين محصنين في أمور دينهم لأن فاقد الشيء لا يعطيه!حُسن
  • التوجيه والتربية من قبل الأهل من أجل الوصول لطريقة مناسبة لتقويم الأبناء، إما
    بالحوار أو التعنيف بحسب ما يرونه مناسباً.
  •  ملئ الفراغ والاهتمام بالشباب وتوفير ما هو مفيد، ليس في البيت فقط بل على مستوى المدن، كالمراكز الشبابية والهيئات التطوعية وغيرها من الأمور التي تشغل الشباب بما هو مفيد.
  • الإعلام الهادف وتركيز الرقابة على المحتوى، من حيث الأفكار والمضمون واستبعاد الغث الذي لا يُساعد في تنشئة جيل يُستفاد منه.
  • بيئة محيطة نظيفة أخلاقياً فالتربية ليست فقط في المنزل في المجتمع جميعه.
  • الفهم السليم لنتائج حسن الخلق وانعكاسها على جميع مناحي الحياة يدفع بنا جميعا للعمل المتكاتف والدؤوب لنشر ثقافة حسن الخلق، وتنقية المجتمع من مظاهر الفساد الأخلاقي.

·      أمَّة الإحسان وحُسن الخلق

قال تعالى في مدح النبي عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ” سورة القلم آية 4 ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ” إنَّما بُعِثتُ لأُتمٍّمَ مَكارمَ الأخلاقِ “. رواه البيهقي.
ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم ” أنا زعيمٌ ببيت في رَبِضِ الجنة لمن ترك المِراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسّنَ خلقُهُ“. رواه أبو داوود.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: ” اتّق الله حيثُ ما كنت، وأَتِبعِ السيئّة الحسنة تَمحُها، وخالق الناس بخُلُقٍ حسنٍ “.
يقول الشاعر:

 وإنِّما الأمـمُ الأخــلاقُ ما بقيـت            فإن هُـمُ ذهبت أخلاقُهُـــم ذهبــوا

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق