المَعْرِفَةُ: قُوَّةٌ تُعِيدُ تَشْكِيلَ الإِنْسَانِ وَالمُجْتَمَعِ
بقلم عائشة العقاد

المَعْرِفَةُ لَيْسَتْ تَرَفًا فِكْرِيًّا، وَلَا مُجَرَّدَ تَرَاكُمٍ لِلْمَعْلُومَاتِ، بَلْ هِيَ سِلَاحٌ وُجُودِيٌّ يُحَدِّدُ مَصِيرَ الإِنْسَانِ وَالمُجْتَمَعِ. فَبِهَا يَخْرُجُ مِنْ ضِيقِ الجَهْلِ إِلَى اتِّسَاعِ الفَهْمِ، وَمِنَ التَّبَعِيَّةِ إِلَى الِاسْتِقْلَالِ، وَمِنَ العَشْوَائِيَّةِ إِلَى الوَعْيِ. المَعْرِفَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ تُحْفَظُ، بَلْ نُورٌ يُدْرِكُ بِهِ الإِنْسَانُ ذَاتَهُ، وَيُعِيدُ بِهِ قِرَاءَةَ العَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ.
فَالفَرْدُ الَّذِي يَمْتَلِكُ المَعْرِفَةَ يَمْلِكُ زِمَامَ أَمْرِهِ، وَيُصْبِحُ قَادِرًا عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارَاتٍ وَاعِيَةٍ تَحْمِيهِ مِنَ الِانْقِيَادِ الأَعْمَى. وَالمُفَكِّرُ الَّذِي يُوَاجِهُ التَّيَّارَاتِ السَّائِدَةَ بِأَفْكَارٍ جَدِيدَةٍ؛ جَمِيعُهُمْ يُثْبِتُونَ أَنَّ المَعْرِفَةَ هِيَ الدِّرْعُ الَّذِي يَحْمِي الإِنْسَانَ مِنَ الضَّعْفِ، وَهِيَ المِفْتَاحُ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ الفُرَصِ.
المَعْرِفَةُ هِيَ النَّجَاةُ الحَقِيقِيَّةُ، وَهِيَ الحُرِّيَّةُ الَّتِي لَا تُـمْنَحُ بَلْ تُكْتَسَبُ بِالسَّعْيِ وَالجُهْدِ. مَنْ يَمْلِكِ العِلْمَ يَمْلِكِ القُوَّةَ، وَمَنْ يَفْتَقِدْهُ يُصْبِحْ أَسِيرًا لِلظُّرُوفِ وَالآخَرِينَ. لِذَلِكَ، فَإِنَّ الِاسْتِثْمَارَ فِي المَعْرِفَةِ لَيْسَ خِيَارًا، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وُجُودِيٌّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَمُجْتَمَعٍ. وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ النَّجَاةَ لَا تَأْتِي مِنَ الهُرُوبِ، بَلْ مِنْ مُوَاجَهَةِ الحَيَاةِ بِعَقْلٍ وَاعٍ وَمَعْرِفَةٍ رَاسِخَةٍ.
مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى الَّتِي بَدَأَ فِيهَا الإِنْسَانُ يَطْرَحُ الأَسْئِلَةَ، وُلِدَتِ المَعْرِفَةُ. فَالسُّؤَالُ هُوَ الشَّرَارَةُ الأُولَى لِكُلِّ اكْتِشَافٍ، وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَى عَقْلٍ حَيٍّ لَا يَرْضَى بِالسَّطْحِيَّةِ. الإِنْسَانُ العَارِفُ لَيْسَ مَنْ يَمْلِكُ الإِجَابَاتِ فَقَطْ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ الجُرْأَةَ عَلَى التَّسَاؤُلِ، وَالقُدْرَةَ عَلَى البَحْثِ، وَالصَّبْرَ عَلَى الوُصُولِ. فَكُلُّ فِكْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وَكُلُّ إِنْجَازٍ بَشَرِيٍّ، كَانَ فِي أَصْلِهِ سُؤَالًا لَمْ يَجِدْ صَاحِبُهُ إِجَابَةً سَهْلَةً، فَقَرَّرَ أَنْ يَسْعَى خَلْفَهَا.
المَعْرِفَةُ تَمْنَحُ الإِنْسَانَ قُوَّةً لَا تُرَى، فَبِهَا تَبْنِي قَرَارَاتِكَ عَلَى وَعْيٍ وَإِدْرَاكٍ، لَا عَلَى انْفِعَالٍ وَلَا عَلَى تَقْلِيدٍ. وَفِي عَالَمٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ الأَحْدَاثُ وَتَتَضَارَبُ فِيهِ المَعْلُومَاتُ، تُصْبِحُ المَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ سِلَاحًا يَحْمِيكَ مِنَ التَّضْلِيلِ، وَيَمْنَحُكَ القُدْرَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.
فَقَدْ يَقْرَأُ الإِنْسَانُ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ. فَالمَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ تَرَاكُمًا لِلْمَعْلُومَاتِ، بَلْ حُسْنُ اسْتِخْدَامٍ لَهَا. بَيْنَمَا قَدْ يَتَعَلَّمُ فِكْرَةً وَاحِدَةً، لَكِنَّهَا تُحْدِثُ فِي دَاخِلِهِ ثَوْرَةً كَامِلَةً. الفَرْقُ يَكْمُنُ فِي العُمْقِ، فِي الفَهْمِ، وَفِي تَحْوِيلِ مَا نَعْرِفُهُ إِلَى سُلُوكٍ نَعِيشُهُ يَوْمِيًّا. فَالمَعْرِفَةُ الَّتِي لَا تُطَبَّقُ تَبْقَى حَبِيسَةَ العُقُولِ، أَمَّا المَعْرِفَةُ الَّتِي تُـمَارَسُ فَتَصْنَعُ أَثَرًا فِي الحَيَاةِ.
لَا يَكْتَمِلُ الحَدِيثُ عَنِ المَعْرِفَةِ دُونَ الحَدِيثِ عَنِ التَّوَاضُعِ. فَكُلَّمَا ازْدَادَ الإِنْسَانُ عِلْمًا، أَدْرَكَ كَمْ يَجْهَلُ، وَاتَّسَعَتْ رُؤْيَتُهُ، وَخَفَّ حُكْمُهُ عَلَى الآخَرِينَ. المَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ تُهَذِّبُ صَاحِبَهَا، وَتَجْعَلُهُ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً، وَأَكْثَرَ انْفِتَاحًا، وَأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى تَقَبُّلِ الِاخْتِلَافِ. إِنَّهَا لَا تَصْنَعُ غُرُورًا، بَلْ تَصْنَعُ وَعْيًا.
فِي النِّهَايَةِ، المَعْرِفَةُ لَيْسَتْ مَحَطَّةً نَصِلُ إِلَيْهَا، بَلْ رِحْلَةٌ لَا تَنْتَهِي. كُلَّمَا تَقَدَّمْتَ فِيهَا، اكْتَشَفْتَ آفَاقًا أَوْسَعَ وَأَسْئِلَةً أَعْمَقَ. فَاجْعَلْ مِنَ المَعْرِفَةِ أُسْلُوبَ حَيَاةٍ، لَا هَدَفًا مُؤَقَّتًا. اقْرَأْ، تَعَلَّمْ، نَاقِشْ، وَطَبِّقْ. لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُقَاسُ بِمَا يَمْلِكُ، بَلْ بِمَا يَعْرِفُ… وَبِمَا يَفْعَلُ بِمَا يَعْرِفُ.





